كتاب عن السبلة العمانية مستواحه من الاخلاق و العادات العمانيه الاصيلة التي تعتبر موروث عماني اصيل …..

التمهيد

في قلب الصحراء التي تمتد جنوب شبه الجزيرة العربية، وبين تضاريس الجبال والواحات، نشأت حضارة عُمان التي سطّرت عبر التاريخ ملامح فريدة من التفاعل بين الإنسان والمكان. ليست مجرد أرض، بل ذاكرة حية، وهوية راسخة، وجذور ضاربة في عمق الزمن، تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية، وفي موروثها الثقافي والاجتماعي.

لقد حفظ العُماني موروثه الجمعي كما تحفظ الروح صلتها بالجسد، وعبّر عن هذا الموروث عبر قيمه وعاداته وتقاليده، التي لم تكن مجرد مظاهر، بل فلسفة حياة تعكس عمق العلاقة بين الإنسان وبيئته، وبين الفرد والمجتمع.

ومن بين هذه القيم، تبرز “السُّبلة” باعتبارها فضاءً اجتماعياً جامعاً، ومؤسسة غير رسمية لتشكيل الوعي الجمعي، وبناء الرأي، وصقل الشخصية، ونقل القيم. لم تكن السُّبلة مجرد مكان، بل كانت مدرسة للحكمة، ومنبراً للحوار، ومجلساً تُنسج فيه علاقات الناس، وتُصان فيه الأعراف والتقاليد.

إن عاداتنا وتقاليدنا، وإن بدت في ظاهرها محلية، إلا أنها تنتمي إلى سياق حضاري إنساني أوسع، يعكس القيم المشتركة بين الشعوب، ويؤكد أن الإنسان، أينما كان، يسعى إلى بناء مجتمعه على أسس من التفاهم، والتعاون، والاحترام المتبادل.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات، وتتعاظم فيه التحديات، يصبح الحفاظ على هذا الإرث مسؤولية جماعية، لا من باب الحنين إلى الماضي، بل من منطلق الوعي بأهميته في تشكيل الحاضر وصناعة المستقبل.

إن هذا الكتاب هو محاولة لتوثيق جانب من هذا الإرث، واستحضار معانيه، وإبراز قيمه، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة، ودعوة للتأمل في موروثنا الغني، واستلهام الدروس منه في مسيرة البناء والتطوير.

سلسلة الرملية – إرث المكان وروح المجتمع

والداه: سالم بن سعيد العبري، والخال: الشيخ علي بن عبيد العبري.

الذين نشأنا في ظلهم وتربّينا من أيديهم في سبلة بيت الجبل، ثم سبلة مزرعة المشير، وسبلة سالم بن سعيد العبري في العيون، حيث تعلّمنا الحكمة، والمرؤة، والوفاء.

سبلة الرملية ليست مكاناً، بل هي أكثر من ذلك؛ هي مجلس من مجالس الوعي الجمعي، حيث تتحول الجدران إلى ذاكرة، والكلمات إلى ميثاق، والمجلس إلى مدرسة، تُنسج فيه علاقات الناس، وتُصان فيه القيم، وتُغرس فيه معاني الانتماء.

ومن هنا، كانت فكرة هذا الكتاب:

أن ندوّن، لا لنحفظ فقط، بل لنضيء الطريق لمن يأتي بعدنا،
أن نُسجّل، لا بدافع الحنين، بل بوحي المسؤولية الحضارية،
أن نروي، لأن من لا يروي، يُمحى من ذاكرة الوجود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *